الحلبي

336

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ومن ثم جاء « ذهبت النبوة » أي لا توجد بعدي . « وبقيت المبشرات » أي المرائي التي كانت مبشرات للأنبياء بالنبوة ، بدليل ما في رواية « لم يبق بعدي من المبشرات » أي مبشرات النبوة « إلا الرؤيا » أي مجرد الرؤيا الخالية عن شيء من مبشرات النبوة ، بدليل ما في لفظ « لم يبق إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم » أي لنفسه « أو ترى له » . لا يقال : الرؤيا الصادقة تكون من الكافر أو ترى له ، وهو خارج بالرجل الصالح وبالمسلم . لأنا نقول : لو فرض وقوع ذلك كان استدراجا . وفيه أنها واقعة ، وظاهر سياق الحديث الحصر ، وكما تكون الرؤيا مبشرة بخير عاجل أو آجل تكون منذرة بشر كذلك قال بعضهم : وقد تطلق البشارة التي هي الخبر السار على ما يشمل النذارة التي هي الخبر الضار بعموم المجاز ، بأن يراد بالبشارة ما يعود إلى الخير ، لأن النذارة ربما قادت إلى الخير . وفي الإتقان : ومن المجاز تسمية الشيء باسم ضده نحو فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : الآية 21 ] ا ه أي وهي في هذه الآية للتهكم . وجاء رجل أي وهو أبو قتادة الأنصاري إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا رسول اللّه إني أرى في المنام الرؤيا تمرضني ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : الرؤيا الحسنة من اللّه ، والسيئة من الشيطان ، فإذا رأيت الرؤيا تكرهها فاستعذ باللّه من الشيطان واتفل عن يسارك ثلاث مرات فإنها لا تضرك » أي وحكمة التفل احتقار الشيطان واستقذاره . وفي رواية « إذا رأى أحدكم ما يكره فليعذ باللّه من شرها ومن الشيطان ، كأن يقول : أعوذ باللّه من شر ما رأيت ومن شر الشيطان ، وليتفل ثلاثا ، ولا يحدّث بها أحدا فإنها لا تضره » زاد في رواية « وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه » زاد في أخرى « وليقم فليصلّ » أي ليكون فعل ذلك سببا للسلامة من المكروه الذي رآه . وفي البخاري « إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من اللّه فليحمد اللّه عليها وليتحدث بها : أي ولا يخبر بها إلا من يحب ، وإذا رأى غير ذلك مما كره فإنما هي من الشيطان » أي لا حقيقة لها ، وإنما هي تخيل يقصد به تخويف الإنسان والتهويل عليه « فليستعذ باللّه من شرها ، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره » وفي الأذكار « ثم ليقل : اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان وسيئات الأحلام » وفي الحديث « الرؤيا من اللّه ، والحلم من الشيطان » . قيل في معناه لأن صاحب الرؤيا يرى الشيء على ما هو عليه ، بخلاف صاحب الحلم فإنه يراه على خلاف ما هو عليه ، فإن الحلم مأخوذ من حلم الجلد : إذا فسد . والرؤيا قيل إنها أمثلة يدركها الرائي بجزء من القلب لم تستول عليه آفة النوم ،